الشيخ محمد الصادقي الطهراني

598

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ » وذلك الذيل « الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ » يعطف بالقصص إلى أوله إذ قاله يعقوب حين أوّل رؤياه « إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ » ختام المسك كبداية . وما ألطفه تعبيرا عما حسده إخوته وأجرموا بحقه « مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي » فالشيطان هو الشرير الأصيل في ذلك المسرح ، والنزغ هو الدخول في أمر لإفساده ، فقد دخل الشيطان فيما حسدوا فدخل حتى عمّقه إذ حمّقهم « وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ » ( 41 : 36 ) . قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالآْخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ( 101 ) ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ ( 102 ) . وهذه شيمة الصالحين الذين لا تأخذهم العزة بالإثم ، فلا ينسون في ملكهم وعزتهم ربّهم ، ولا تأخذهم زهوة الملك وزهرته ، فكيف يفترى على الصديق أن دخله عز الملك فلم ينزل إلى أبيه ؟ ! وصاحب الملك المسلم ، المعترف برحمة ربه ، يطلب الزيادة في ملكه ، ولكن هذا الملك الصدّيق بعد ما يعترف بالعطية الإلهية كنعمة دنيوية : « رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ » وبأحرى هي نعم العلم النبوة : « وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ » عطفا بهما إلى عطفه ولطفه لأنه « فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ » واعترافا بولايته المطلقة عليه : « أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالآْخِرَةِ » فأنت المدبر أمري فيهما ، ليس لي إلا ما دبرت وقدرت ، دون أن أملك لنفسي نفعا ولا ضرا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا ، فأنت أنت الولي لا ولي سواك ، وأنا العبد الموّلى لك لا أعبد سواك .